الرحامنة في الصحراء

تندر المعلومات المتعلقة بمقام الرحامنة في الصحراء خاصة في المصادر المغربية, بل إنها تكاد تكون منقرضة. غير أننا نجد إشارات هامة حول حياتهم في بلاد القبلة(تسمى منطقة سوس لدى الصحراويين بهذا الاسم تمييزا لها عن التل الذي يعنون به المناطق الموجودة شمال جبال الأطلس) في الوثائق البرتغالية و الفرنسية, و كذلك في كتابات بعض الرحالين أمثال الوزان (حسن بن محمد- وصف إفريقيا) و فرنانديس (فرنانديس فالنتين: » »وصف الساحل الإفريقي من سبتة إلى السنغال » ») و مارمول كربخال « إفريقيا« .

هذه المصادر المتنوعة أفادت في تكوين فكرة حول مقام الرحامنة, و أنشطتهم هناك, و جهادهم ضد المسيحيين و ظروف نزوحهم نحو الشمال.

الرحامنة من المجموعات المعقلية -اليمنية الأصل- التي استقرت بالصحراء, حيث كانت تنتشر على أطرافها الشمالية. وكانت هذه المجموعة تضم الرحامنة و أولاد احمر- المستقرين على الساحل الأطلسي جنوب جبال الأطلس- ثم البرابيش و الاوداية المنتشرين في الداخل (مارمول)

بيد أن الرحامنة كانوا اكبر هذه القبائل تعدادا و أقواها حيث أشار مارمول أن الرحامنة كانوا في الصحراء يحاربون بأكثر من عشرة آلاف محارب, من بينهم سبعمائة فارس, و كانوا للرعي الواسع مع زراعة محدودة عمادها الحبوب, فكانوا يتوفرون على القمح و اللحم و العسل. في حين أن الاوداية و البرابيش كانوا يعيشون على حليب النوق بدون خبز ولا فواكه ولا زيتون. وكان الرحامنة يتعاطون للتجارة بين التل و حوض النيجر, في الوقت الذي كان فيه المغرب يستمر في التمسك بدور الوساطة التجارية بين افريقيا و أوروبا. لما كانت بعض الكميات من الذهب تصل إلى موانئه. ففي رسالة القائد مالك لإمانويل أفاد أن قافلة تجار برتغاليين تعرضت لهجوم لما كانت متوجهة إلى الرحامنة لشراء الذهب. وقد قتل المهاجمون حوالي أربعة عشر من  »المور » المرافقين لها وقبضوا على تسعة و عشرين منهم وحصلوا على أكثر من مائة جمل. كانت المرحلة الأولى من التبادل تتم بين بلاد السود زناغة و الجنوب الغربي للمغرب. و في القرن السادس عشر تميزت الملاحة البرتغالية على سواحل إفريقيا الغربية, حيث استطاع البرتغاليون تحويل مسار التجارة التقليدي نحو المحيط,فلم تتردد الرحامنة في حمل راية الجهاد ضد البرتغاليين إلى جانب الشرفاء الأدارسة. لم تتواتر أخبار الرحامنة في المصادر المغربية حتى القرن الثامن عشر, وهي الفترة التي طفا فيها الرحامنة على سطح أحداث القبائل الحوزية. وقد كان يأتي ذكر الرحامنة عند الحديث عن كل تمرد, فقد كانوا على رأس عصاة القبائل الحوزية.

في النصف الثاني من القرن السادس عشر, اختفى اسم الرحامنة من الصحراء, فقد أكد مارمول(1565) أن الرحامنة كانوا يهيمنون على كل المنطقة الممتدة من آسفي إلى مراكش.

ورغم أن السعديين احتلوا مراكش منذ 1520, فإن الرحامنة ظلوا مقيمين في الصحراء, حيث تفيد المصادر البرتغالية أنهم شاركوا في هجوم على سانتاكروز سنة 1525, أي بعد خمس سنوات من استقرار السعديين بمراكش. رسالة أنطوني لييطو إلى جون الثالث, فحوى الرسالة: تشير الرسالة إلى أن شريف  »تيدسي » شن حملة واسعة على حصن  »سانتاكروز » (1525) شارك فيها الرحامنة بعد أن تضرر من الخسائر التي أصبح الحصن المذكور يسببها لقبائله، وكان مقاتلو الرحامنة برئاسة قائدهم مبارك الرحماني، وهو من القواد الأربعة الكبار الذين ترأسوا الحملة.
و قد أشير في المصادر إلى أن نزوح الرحامنة من الصحراء كان بقرار سياسي. بل تؤكد بعض المستندات أن محمد الشيخ (المهدي) قام بمكافأتهم على أعمالهم الجهادية، إذ أسكنهم إقليم  »تامسنا » [مارمول : »إن الشريف الذي ساعدوه في الاستيلاء على « تِشِّيتْ » و نواحيها كافأهم بنقلهم إلى بلاد البربر…و أسكنهم إقليم « تامسنا » بمملكة فاس]. و من المحتمل أن قرار محمد الشيخ باستقدام الرحامنة كان هدفه ملء الفراغ الذي تركته القبائل المصمودية المتراجعة نحو الأطلس، بعد أن بالغ السعديون في التضييق عليها لكونها كانت تتعامل مع البرتغاليين ضد الجهاد السعدي. رغم كل هذه الإشارات الدالة على الود بين الحاكمين الجدد و الرحامنة إلا أنهم لم يكونوا منظمين لا في الكيش السعدي ولا في الكيش العلوي، فقد كانوا من قبائل النايبة التي تعطي العيش و تسهم بالجيش. حيث تذكر المصادر أن الرحامنة كانوا يسهمون في الحركة بألفين من العسكر و ألف من الخيول المسرجة. و بخصوص رأي مارمول و بوتي باحتمال تنظيم الرحامنة في الجيش، هناك مستندات فرنسية تدحض هذا الإحتمال بحكم أن الرحامنة تمردوا سنة 1619 ضد المولى زيدان السعدي، ثم تعرضوا ثانية لمولاي عبد المالك سنة 1628 وهو في طريقه من مراكش إلى آسفي. وكان للرحامنة مصاهرة مع السعديين، حيث أن سحابة الرحمانية كانت الزوج الثانية لأبي عبد الله محمد الشيخ المهدي، وقد خلف معها:

  • أبي سعدة عبد المؤمن
  • لالة عا
  • ئشة  لالة فاطمة
  • (أبي مروان عبد الملك (الذي مات في معركة وادي المخازن

و قد رافقت سحابة الرحمانية ابنها عبد الملك إلى القسطنطينية في بلاط السلطان مراد بن سليم من أجل الحصول على دعم الأتراك لاستقراره على عرش المغرب. ومنذ القرن الثامن عشر طفت أخبار الرحامنة على السطح في تاريخ المغرب وتناولتهم المصادر كمجموعة قوية كانت لهم هيمنة على الحوز، وقد كان السلاطين العلويون يعتمدون عليهم في ضبط باقي القبائل الحوزية، ويستشيرون عمالهم و فقهاءهم في تعيين قواد الحوز. ووصفهم ظهير سلطاني بأنهم « مميزون بزيادة المحبة، وخصوص الأثرة، مذكورون بالخدمة، و النصيحة، و الجد… »(رسالة مخزنية مرتبة 22 ذو القعدة 1296، محفوظات الخزانة الحسنية). وقد ورد في الرسالة أن سيدي محمد بن عبد الله كان يعتمد عليهم ويميزهم، ويستخدمهم من جملة جيشه، فيغنون ويكفون. ولعل قوة الشوكة هذه-التي كانت تميز أخبارهم- هي الكفيلة بتفسير الحظوة و المكانة اللتين كانتا لهم لدى السلطان المذكور. حيث اتخذ محمد الرحماني وزيرا له وعينه خليفة على مراكش ونواحيها. وتزوج بالسيدة البتول-ابنة القائد عبد الله الرحماني- و أرسل أخاها محمد الزوين سفيرا لدى السلطان عبد الحميد خان العثماني.

 

preparer par Oualid Lebtaini
redaction electronique : Oussama Alhamzaoui
date : 08/08/2006 à Geneve

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *