حفريات في دلالات الجذور التاريخية للعيطة الحوزية

بقلم الباحث في الثرات الشعبي ذ :عبد العالي بلقايد : إن الاهتمام بالثقافة الشعبية يأتي في طليعة المهام الاستراتيجية لاعادة بناء أو كتابة التاريخ الوطني أو المحلي لأن الثقافة العالمة أو نصوصها تستحضر الرقابة الرسمية أو تكتب حسب طلب الطبقة الرسمية، لهذا تظل مخترقة بكثير من البياضات، أليست الثقافة الشعبية تمثل طفولتنا؟ هذه الطفولة تظل الميسم الذي يسم شخصيتنا رغم المحاولات التي تسعى إلى اظهارها هذا الميسم، عن الثقافة الشعبية بشكل عام والعيطة تحديدا تعتبر كنزا رمزيا يجب ازاحة غبار الاهمال عليه ليحظى بالرواج في سوق النغم الذي يعج بزعيق يمج الاسماع ويضرب الأضواء ويسيطر على العواطف ليضحى الانسان أسيرا لايقاعات وافدة وكلمات تتغيى الإثارة من هذا المنطلق يتم التعامل مع العيطة الحوزية أحد مكونات التراث الشعبي باعتبارها رافدا من روافد الثقافة الشعبية الوطنية التي تحيل على الذاكرة الوطنية ومن لا ذاكرة له لا حاضر ولا مستقبل له.

مقدمة

الإهتمام بالفن الشعبي، وعلى الخصوص العيط المغربي الدافع إليه الرجوع إلى هذا الكنز الرمزي الفني لسبر غوره، وفك رموزه، لإغناء الفن والموسيقى المغربية التي لها من الإيقاعات التي تفجر الرقص مبتغى الشباب،والطرب الذي يلجأ إليه من يتغي التأمل والهدوء. فالتعامل مع الفن الشعبي يجعلنا أمام مجال يجد فيه كل سائل مبتغاه ومراده، ولعلى  اللجوء  إلى هذا الكنز الرمزي الفني يجعلنا أكثر تحصينا من الإختراق الفني المشرقي، الذي يخترق البيوت والحفلات، بل حتى والأنشطة التربوية، مما حدا بالكثير من شبابنا أن يعتبره النمودج الفني الأمثل. إن العبقرية المغربية لقادرة على أنم تقرب هذا الثرات الفني في اشكال فنية مستساغة من طرف الأدواق الشابة. ولعلى المجموعات الغنائية للسبعينات قد قامت بهذا الدور أحسن قيام وقدمت الفن الشعبي في قالب يخاطب الجسد ويرقصه، وكذلك يشحن المخيال بالأمال والأحلام التي كانت تأسر شباب تلك المرحلة.
مهمة المهتمين حالا تفرض انشغالات أكثر تعقيدا وصعوبة من السابق بهيمنة اشكالات تختلف عن السابق. فالموجات والصيحات  سواء المشرقية أو الغربية تأسر وجدان شبابه، وتشحن مخياله غصبا عنا في حين أن لنا من الامكانات  ما يجعلنا قادرين على خلق نمادج غنائية بالإعتماد العمق الشعبي، تبز وتنافس النمادج التي تختلط نسيجنا الثقافي والفني، ولنا في الفن الكناوي مثال ساطع، بحيث أنه استطاع أن يصل إلى العالمية، وكذلك البراويل الحوزية التي تجاوب معها الجمهور الرباطي تجاوبا منقطع النظير ورقصات تشنويت التي أبهرت وسحرت الدوق الرفيع لليابانيين إن العبقرية المغربية لقادرة على الإبداع ضمن مشروع مجتمعي دمقراطي حداثي يسعى الكل إلى ترسيخه. ملاحظة أخرى لا بد من ابدائها، فكل قرائة للفن الشعبي ينطلق من مرتكز واحد ووحيد لن يفهم العيط المغربي بشكل عام والحوزي بشكل خاص. فالقراءة التي تنطلق من المثن الشعري لن تصل إلى كنهه، والتي تعتبره وثيقة لا تسبر غوره إنه شيء آخر أوسع وأعمق لا يمكن أن تحيط به إلا مقاربة دينامية تستند إلى الكثير من المقاربات وهذا ما سنعمل عليه بشكل متواضع في هذا المقال.

اشكالية التسمية

لعل التسمية تشير إلى البعد الجغرافي فقط دون أن تحيل إلى أبعاد أخرى تسم  العيطة بميسمها ! ألا يمكن اعتبار التسمية بالحوزي يشير إلى مجال دي أبعاد حضارية بشكل عام يؤطرها ، ويميزها عن باق الألوان الخرى التي تشكل العيط المغربي بمختلف أنواعه من أقصى جنوب المغرب إلى شماله، بدأ من الكدرة بالصحراء المغربة  انتهاء بالطقطوقة الجبلية! ألا يمكن اعتبار التسمية بالحوزي يجعلها ذات امتداد جغرافي واسع يقتضي تفسيرا جد معقول وقريب من المنطق. إذ أن المجال تلفه الوانا عديدة بدأ بالأمازيغي فالكناوي فحمادة التي تنتشر في الكثير من الأماكن من منطقة الحوز. تشترك فيه وتلتقي التعبيرات الأمازيغية و العربية بدءا من قبائل اولاد مطاع واولاد بن اسبع وبوشان والنواجي وأولاد با انتهاءا بحمادة المشهورة في أمزميز التعي تؤدي فيه الفرق اللون العربي والأمازيغي  في قالب جداب وأخاذ .


وكذلك الأمر بالنسبة للكناوي الذي توجد زواياه التي تضخ فيه نفسها الصوفي بكلك من الصويرة مراكش انتهاءا بمدينة أسفي. لماذا سرد كل هذه الألوان الموجودة بالحوز أو بجهة مراكش تنسيفت الحوز؟ إن هذا السرد الدافع إليه التسمية في المرتبة الأولى تم بالتوضيح مقاربة ثانية قدر المستطاع ، مفادها أن العيطة الحوزية هي نتاج هذا المناخ الفني والسوسيوثقافي الذي يطبع منطقة الحوز برمتها. وبناءا عليه ألا يمكن اعتبار جدور العيطة الحوزية أمازيغي عربي، وبأن شكلها ينبني على تعبيرات حمادة ذات الأصول العربية الأمازيغية، في حين أن تعبيراتها اللغوية عربية إلى حد ما لماذا؟ لأن أي مقاربة لهذا اللون انطلاقا من بعد واحد فيه تجني، أو ربما عدم فهم عميق لهذا اللون الذي لا يفهم إلا انطلاقا من شموليته وخصوصيته التي تبرز خلال الفعل والممارسة وتتجلى في الإحتفال الطقوسي الذي يحضر فيه النفس الصوفي والعيط  هو نداء كذلك ودعوة صريحة ومبطنة ومعلومة للجمهور الحاضر والغائب للفعل في الإحتفال لا للتلقي فقط. ومن ثم فإن أية مقاربة تستند على المثن اللغوي لا يمكن أن تعالج العيط الحوزي معالجة موضوعية لأن التعبير اللغوي عنصر ضمن عناصر أخرى لا يمكن أن تفضي إلى كنهه .

انطلاقا مما سبق ألا يمكن اعتباره وكافة العيوط المغربية ملاحم شعبية؟

ملاحم شعبية يتداخل فيها التاريخي ، والأسطوري، وإن كان التاريخي يعتمد عناصر واقعية، فإنه يتسحب في أحايين كثيرة ليترك مكانه السطوري ليصطبغ لنفاحات رقيقة تخترق الوجدان والعصبة والجلد لإختراقه جميع مناحي الجماعة، بل هو مكون من مكونات ثقافتها وشرايين من شرايين حياتها، يضخ فيها بشكل قوي فرح المعاش ، ويقوي مقومات الحياة ويستفز الذاكرة لتتراقص صفحات أمجادها حاضرة نابضة برغبة استحضارها للحضور وجدانيا وقلبيا بل وحتى عقليا، لأنه هي التي تعطي للجماعة مقومات الحياة والإستمرار فيها وهي التي تلحم وتقوي وحدتها أمام استعصاء الوجود والواقع ، وهذا ما حدا بكثير من الباحثين وخاصة اليحياوي أن يلمس فيها نفس الملحمة ( من جهة الموضوع تكاد العيطة الحوزية تختص في محور تجعله مدار اهتمامها وأخبار الحروب والنزعات المسلحة مع المستعمر ما أسفرت عنه من خراب وضحايا وانقلاب في القيم وذلك بطريقة تذكر بالقصص الملحمي وأجوائها البطولية) – جريدة الصباح عدد 312 بتاريخ 11/04/2001.

الأستاذ اليحياوي بقر بالطابع الملحمي للعيطة الحوزية وهذا اجتهاد يلامس خصيصة من خصائصها وهو في ذلك يعتمد على قرائن الأسماء الواردة في العيطة، والتي يعتبرها من المقاوميين والمقاومات مثل أولاد حليمة، ربوحة حسب اعتقاد هذا الاخير وإن كان عيط خالي ياخويلي  هي الوحيدة التي تشير إلى فترة الإستعمار ومواجهة ماء العينين في منطقة بوعثمان له .

فين إيامك يا لاربعاء  كان موسم  ولا حركة… فين إيامك يابنكرير غير الغبرا والكور إطير ..فين إيامك أبو عثمان غير الطرابش بالعمام.. صاكونا صاكونا  للزيتون في الزناقي ناض الرتول…
– كيف بالإمكان تقديم تفسير للطابع الملحمي الذي جعل العيط الحوزي ينحو هذا المنحى؟ ألا يمكن الارتكاز على البنية الثقافية التي تطبع مجال الحوز لتقديم تفسيرات للطابع الملحمي إياه؟ ألا يمكن اعتبار سلوك الشهادة والإستشهاد  الذي لف المجرى الثاريخي لقبائل بني معقل انطلاقا من شبه الجزيرة العربية مرورا بالمغرب العربي والصحراء المغربية واستقرارا في الحوز هو الذي جعل العيط الحوزي يتميز بهذه الخاصية؟ ألا يمكن اعتبار الطابع الأسطوري الذي ميزه والذي جعله علم غزير الدلالات والمعاني لم يجعله ينحصر في فترة بعينها بل يكاد يلامس تاريخا عميقا ينطلق من نبع الإنطلاقة مرورا بمجال السفر الملحمي إلى مجال الإستقرار بالحوز ؟ ما علاقة قبائل بني معقل بجعفر ابن عم الرسول -ص- وشقيق علي ابن ابي طالب ؟ هل العلاقة هي علاقة دم ؟ بمعنى أن جعفر هو أحد الأصول التي تنحدر منه قبائل بني معقل؟ لماذا استحضار هذا الأصل لتفسير النفس الملحمي بالعيط الحوزي؟ ألا يمكن اعتبار الإستشهاد الملحمي لجعفر وحضور ضمني في العيط الحوزي، يجعله صعود صوفي بكائي نحيبي  يتسامى على الواقع رغم الرسوخ فيه؟هل من علاقة محتملة بين الواقعة التي تروى عن محمد بن عزوز الذي تقدمه الرواية بالمنطقة على أنه قدم نفسه قربانا لافتداء أرواح سكان الحوز؟ ما العلاقة بين الشهادة عند جعفر وعند ابن عزوز؟ الول ذهب إلى الشهاذة طوعا في سبيل رسالة والتالي قدمها في سبيل الأبناء لتمتد  الفروع.

إن العيط الحوزي هو طقس اسطوري احتفالي بكائي يتغنى بملاحم في الثاريخ العميق والمعاش المحلي منه والوطني..تتعجبني .. تتعجبني .. تتعجبني الراية الحمراء تتعجبني زينة النظرة .
المرأة في العيطة الحوزية
ليست كائنا محنطا ومركز إغراء وغواية ، يتغنى بمفاتنها ومحاسنها ، لاستفزاز اللواعج الداخلية، وتحريك الدوافع الطبيعية،إنها مركز حركي ينبض بالفعل ينادي ويدعو إليه، بل يحرض عليه لصناعة وابداع الملاحم الشعبية، بل هي طرف فيه.
..كالت ليكم .. كالت ليكم ..نيرية ياك عازبة ودريرية.. ياك ماضربتو ما قلتونا.. لتهرس ها لكرارس ..لتفرما إبقا تما.. كالت ليكم نيرية لتحفى ها شربيلي…
الإسم النيرية نسبة إلى النيرة التي تعتبر الناظم والجامع لكل خيوط النسيج، منه الإبتداء وإليه المنتهى ، بناء عليه ألا يمكن أن نعتبر النيرية رمز يلعب دورا أساسيا في صناعة الحدث ومنتج له بامتياز؟ لماذا النيرية هي عزبة ودريرية ؟ هل هي من جهة ترمز إلى العذرية التي تومئ إلى الطهارة التي تلتقي مع كونها طفلة؟ أم بكونها ترتفع المواقع وتلج الأسطوري لتلعب دور الدعوة لصناعة الملاحم الشعبية لكي تحي الجماعة وتستمر الحياة والشغف للمجد.
إن هذا النفس البطولي نكاد نلمسه في جميع العيط المغربي بدءا من الحصبة التي قاومت فيه خربوشة استبداد القايد عيسى وتحدته بالشهادة ليتكرر الإسم في المرساوي باسم خربوشة منانة.
اسم النيرية يحيل إلى النور الذي يقود الفاعلين لإنتاج الملاحم الشعبية ، إنها أكبر من أن تتصف بصفة من الصفاة ، فهي مركز فعلي والتحريض عليه في نمادج أخرى من العيط الحوزي تكون هي العقل والمنطق موزع القرارات وخاصة في نمودج الرويضية .

..كاع بغتو رويضية .. ياك كاع بغيتو مول العيون .. ياك تحت الكرمة مفرقة كيسان .. ياك كاع بغيتو رويضية .. ياك تحت الكرمة مفرقة ديوان..

الروضية هي تصغير لإسم راضية، للتحبيب والمحبة التي يلقاها المسمى من طرف المحيط وهي كذلك محط رضى من طرفها ، فالمحبة والرضا مبعثه جمالها أم العيون ورجحان رأيها مفرقة ديوان.
وهكذا نجد أن المثال الواقي خصيصتان ميزت المرأة في العيط الحوزي، فكيف السبيل لتفسير ذلك ؟ إن البنية الثقافية، أو النظام الحضاري لم يكن يسلك مسلكيات إلغاء المرأة، والتعامل معها بدونية وازدراء، بل كانت فاعلة مؤثرة في صناعة الحدث ومتميزة برجحان العقل والروية. ولعل الدور البطولي الذي لعبته سحابة الرحمانية دي دلالة واضحة في معركة واد المخازن خير نمودج يوضح اادور الذي لعبته المرأة الحوزية في صناعة الحدث والمكانة التي تبوأته في المجتمع أنداك.

بقلم الباحث في الثرات الشعبي ذ :عبد العالي بلقاي benguerir.net

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *